ابو القاسم عبد الكريم القشيري
210
لطائف الإشارات
ويقال ليس كلّ ملك المخلوقين الاستيلاء على الخلق ، إنما الملك - على الحقيقة - صفاء الخلق . قوله : « وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ » : التأويل للخواص ، وتفسير التنزيل للعوام « 1 » . قوله جل ذكره : فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ « فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ » - هذا ثناء ، وقوله : « تَوَفَّنِي » - هذا دعاء . فقدّم الثناء على الدعاء ، كذلك صفة أهل الولاء . ثم قال : « أنت وليي في الدنيا والآخرة ، هذا إقرار بقطع الأسرار عن الأغيار . ويقال معناه : الذي يتولّى في الدنيا والآخرة بعرفانه أنت ؛ فليس لي غيرك في الدارين . قوله : « تَوَفَّنِي مُسْلِماً » : قيل علم أنه ليس بعد الكمال إلا الزوال فسأل الوفاة . وقيل من أمارات الاشتياق تمنّي الموت على بساط العوافي « 2 » مثل يوسف عليه السلام ألقى في الجبّ فلم يقل توفني مسلما ، وأقيم فيمن يزيد « 3 » فلم يقل توفني مسلما ، وحبس في السجن سنين فلم يقل توفني مسلما ، ثم لما تمّ له الملك ، واستقام الأمر ، ولقى الإخوة سجّدا ، وألفي أبويه معه على العرش قال : « تَوَفَّنِي مُسْلِماً » ، فعلم أنه كان يشتاق للقائه ( سبحانه ) . وسمعت الأستاذ أبا على الدقاق - رحمه اللّه يقول . قال يوسف ليعقوب : علمت أنّا نلتقى فيما بعد الموت . . فلم بكيت كلّ هذا البكاء ؟
--> ( 1 ) تصلح هذه العبارة لتوضيح الفرق - في نظر القشيري - بين كلمتي التأويل والتفسير . ( 2 ) هذه العبارة والاستشهاد عليها من قصة يوسف أوردهما القشيري منسوبين لشيخه الدقاق في الرسالة ص 163 . ( 3 ) ( أقيم فيمن يزيد ) لم ترد في النص السابق بالرسالة . ومعناها : نودي عليه ليباع كالعبيد بعد إخراجه من البئر .